نساء غزة… حين تصير الحياة معركة يومية من أجل الكرامة

بقلم: المختارة فاتن حرب*
في غزة، لا تعيش المرأة الحرب بوصفها حدثًا عابرًا، بل واقعًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل حياتها الصغيرة، ويعيد تشكيل وجودها الإنساني والاجتماعي من جذوره. بين الفقد والنزوح، وبين التشرد وغياب الخصوصية، تقف المرأة الغزية في مواجهة مريرة مع واقع قاسٍ لم تختره، لكنها أُجبرت على التكيّف معه.
منذ حرب أكتوبر، تغيّرت أولويات المرأة الفلسطينية بشكل جذري. لم تعد أحلامها مؤجلة فحسب، بل باتت مثقلة بجبل من الهموم والمسؤوليات. في كثير من الأحيان، وجدت نفسها وحيدة في قيادة دفة الحياة، بعد فقدان المعيل أو غيابه القسري، تتحمل عبء الأسرة اقتصاديًا ونفسيًا واجتماعيًا، وتخوض معارك يومية لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، في ظل انهيار شبه كامل للبنية المجتمعية والخدمات الأساسية.
لم تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي ذاته. تفككت أسر، وتقطعت أوصال العائلة الواحدة، وتفاقمت المشكلات المجتمعية بفعل النزوح والازدحام وغياب الأمان. وفي قلب هذا المشهد المأساوي، وجدت المرأة نفسها مطالبة بأن تكون الأم والأب، والمعيلة والحامية، والداعمة نفسيًا لأطفال أنهكتهم الحرب قبل أوانهم.
إن الحفاظ على المرأة اليوم هو حفاظ على صمام الأمان للمجتمع بأسره. فالأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية لأي مجتمع، تواجه خطر التفكك والضياع في ظل حرب شرسة لم تُبقِ للناس سوى قدرتهم على الصمود. والمرأة هي العمود الفقري لهذه الأسرة، وأي إهمال لاحتياجاتها هو تهديد مباشر للاستقرار المجتمعي في الحاضر والمستقبل.
ومن خلال عملي كمختارة وناشطة مجتمعية في المجال الأسري والمجتمعي والاحتكاك اليومي بمعاناة النساء في غزة، تتجلى الحاجة الماسة إلى تدخلات عاجلة وشاملة لا تقتصر على الإغاثة الآنية، بل تمتد إلى إعادة ترتيب أولويات الحياة، ومرافقة النساء في رحلة التعافي النفسي والاجتماعي، بما يضمن استعادة كرامتهن وقدرتهن على إعادة بناء أسرهن من جديد.
أولويات واحتياجات نساء غزة اليوم يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
الأمان والخصوصية الإنسانية: توفير بيئة آمنة تحفظ كرامة المرأة، خاصة في أماكن النزوح، وتراعي احتياجاتها الصحية والنفسية.
الدعم النفسي والاجتماعي: معالجة آثار الصدمة والفقد، وتمكين النساء من تجاوز تبعات الحرب النفسية، بما ينعكس إيجابًا على الأسرة بأكملها.
التمكين الاقتصادي: إيجاد فرص عمل ودعم مشاريع صغيرة تضمن للمرأة مورد دخل كريم، خاصة للأرامل والمعيلات.
الحماية الاجتماعية والقانونية: الحد من تفاقم المشكلات المجتمعية، وتوفير آليات حماية للنساء في ظل تزايد الضغوط والعنف الناتج عن الحرب.
إعادة بناء دور المرأة القيادي في المجتمع: دعم المبادرات النسوية والمجتمعية التي تعزز دور المرأة كشريكة في التعافي وإعادة الإعمار.
إن نساء غزة لا يطلبن الشفقة، بل العدالة والفرصة. فرصة للحياة بكرامة، ولترميم ما كسرته الحرب في أرواحهن وبيوتهن. والالتفات إلى قضيتهن اليوم ليس عملًا إنسانيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقع على عاتق المجتمع الدولي والإعلام الحر، ليكون صوتًا لمن صودرت أصواتهن تحت ركام الحرب.
غزة ستنهض، لكن نهضتها الحقيقية تبدأ من تمكين نسائها، وحمايتهن، والإيمان بأن المرأة الفلسطينية، رغم كل ما فقدته، ما زالت تملك القدرة على صناعة الحياة من جديد.
*ناشطة في مجال الإصلاح الاجتماعي








