أقلام

نساء غزة.. صرخات بلا مساعدة

نساء غزة.. صرخات بلا مساعدة

نساء غزة في مواجهة الصمت.. حين يتحول الحكم إلى عبء إنساني

في زمن تتكاثر فيه الروايات الرسمية وتُصاغ فيه الخطابات الكبرى باسم «الصمود» و«المقاومة»، يكشف فيديو متداول على إحدى صفحات فيسبوك جانبًا آخر من الواقع في قطاع غزة، جانبًا مسكوتًا عنه، يخرج من الهامش إلى الضوء عبر شهادات نسائية مصورة، وسرد صوتي قاسٍ، يضع حكم «حماس» أمام مساءلة أخلاقية وإنسانية تتجاوز السياسة إلى صلب الحياة اليومية للمدنيين، وبالأخص النساء.

الفيديو، الذي اتخذ طابعًا وثائقيًا واضحًا، لا يكتفي بعرض مشاهد معاناة عابرة، بل ينسج سردية متكاملة عن واقع تعيشه النساء في غزة تحت سلطة الأمر الواقع، حيث تتقاطع الحرب والحصار مع منظومة حكم تُتهم بتكريس الولاءات على حساب الحقوق، وبتحويل الانتماء السياسي إلى شرط أساسي للبقاء والحصول على الحد الأدنى من الحماية أو المساعدة.

ومن خلال شهادات مباشرة لنساء مدنيات، يرسم الفيديو صورة قاتمة لحياة تُختزل في الخوف والجوع والحرمان، حيث تتحدث المشاركات عن تعرضهن لأشكال متعددة من العنف، بما في ذلك العنف الجنسي والابتزاز، في ظل غياب شبه كامل لأي آلية حماية مؤسسية، أو جهة قادرة على استقبال الشكاوى أو إنصاف الضحايا، ما يجعل الانتهاك واقعًا متكررًا لا استثناءً طارئًا.

ولا تبدو هذه المعاناة منفصلة عن طبيعة الحكم القائم في القطاع، إذ يركز الفيديو على فكرة أن الحقوق الأساسية لم تعد مكفولة بوصفها حقوقًا إنسانية، بل باتت مشروطة بالقرب من النظام، أو بالانتماء التنظيمي، أو بالولاء السياسي، ما يحول السلطة من إطار يفترض أن يحمي المواطنين، إلى أداة فرز وإقصاء، تُعيد إنتاج الضعف وتعمّقه.

النساء غير المنتسبات لحركة «حماس» يظهرن كضحايا مضاعفات، فهن يُستبعدن من المساعدات الإنسانية ويُحرمن من شبكات الدعم، ويُتركن لمصيرهن في مخيمات النزوح أو في بيوت مدمرة، دون غطاء سياسي أو اجتماعي، وكأن المواطنة فقدت معناها لصالح هوية حزبية ضيقة.

ويكشف الفيديو عن أن النزوح، الذي يُفترض أن يكون تجربة إنسانية قاسية بحد ذاته، يتحول بالنسبة للنساء إلى مساحة إضافية للانتهاك، حيث يختلط الفقر المدقع بانعدام الأمان، وتصبح الحاجة مدخلًا للاستغلال، في ظل صمت عام، وخوف من التبليغ، وغياب ثقة بأي جهة رسمية يمكن أن توفر الحماية أو المساءلة.

ما سبق يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة في غزة، وكيف جرى استبدال مفهوم الحكم بمفهوم السيطرة، ومفهوم المسؤولية بمنطق الامتياز، بحيث تُدار شؤون الناس وفق معايير غير شفافة، لا تخضع لرقابة حقيقية، ولا تتيح للضحايا فرصة التعبير أو المطالبة بحقوقهن.

ويبدو أن ما يقدمه الفيديو ليس مجرد توثيق لمعاناة فردية، بل نقد ضمني لمنظومة كاملة، تُدار فيها الأزمات بمنطق أمني وتنظيمي، فيما تُترك القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها قضايا النساء، في الهامش، أو تُختزل في شعارات عامة لا تنعكس على الأرض بسياسات حماية أو دعم فعلي.

كما يعكس فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي الذي تتبناه «حماس»، والقائم على فكرة تمثيل المجتمع والدفاع عنه، وبين واقع تعيشه شريحة واسعة من النساء بلا صوت ولا منصة، في ظل تكميم غير معلن للأفواه، وخشية من العواقب التي قد تترتب على كسر الصمت أو توجيه النقد.

ومن اللافت أنع لا يقدم حلولًا جاهزة، ولا يدعي امتلاك أجوبة شاملة، بل يكتفي بإتاحة المساحة للرواية الأخرى، تلك التي لا تجد طريقها إلى الإعلام الرسمي أو الخطاب السياسي، وكأن مجرد كشف هذه الشهادات يُعد فعل مقاومة من نوع آخر، مقاومة للصمت، وللنسيان، ولتطبيع الألم.

وربما يضع هذا حركة «حماس» أمام اختبار مختلف عن اختبارات السياسة والميدان، اختبار يتعلق بقدرتها أو رغبتها في الاعتراف بضحايا حكمها، وبمسؤوليتها عن حماية الفئات الأضعف، بعيدًا عن منطق التعبئة والصراع، وبعيدًا عن تبرير كل إخفاق بالحصار أو العدو الخارجي.

وفي المحصلة، ينجح الفيديو في فتح نافذة على واقع مظلم تعيشه نساء غزة، واقع تتداخل فيه الحرب مع القمع الاجتماعي، والحصار مع التمييز، ليبقى السؤال الأهم معلقًا: هل يمكن لحكم يطالب بالشرعية والمقاومة أن يتجاهل معاناة نسائه، أم أن صمت هؤلاء النساء هو الثمن غير المعلن لاستمرار سلطة لا ترى في الحقوق أولوية، بل عبئًا؟.

مسك محمد

زر الذهاب إلى الأعلى