أقلام

غرينلاند و”غزة جديدة”.. كيف حوّل ترامب السياسة الخارجية إلى ساحة صفقات؟

سارة عبد القادر

تبرز رؤية واحدة في قلب السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي أن العالم ليس شبكة من التحالفات والقيم المشتركة، بل قاعة مفاوضات عملاقة حيث كل شيء قابل للتفاوض، وكل علاقة هي صفقة تجارية.

من غرينلاند إلى قطاع غزة، ومن قناة بنما إلى فنزويلا، تتكشف استراتيجية جديدة تمزج بين الإكراه الاقتصادي والتهديدات العسكرية وشخصنة العلاقات الدولية بطريقة غير مسبوقة.

فلسفة الرئيس التنفيذي

وفقاً لتحليل نشرته جامعة نافارا الإسبانية، فإن ترامب حوّل السياسة الخارجية الأمريكية إلى “ساحة عمل تجارية”.

يشير الكاتب إلى أن كل دولة أصبحت في نظر ترامب دراسة حالة في تحليل التكلفة والعائد، موضحاً أن الإدارة تقيّم ما إذا كانت الولايات المتحدة تنفق أكثر مما تكسب من حيث التجارة أو النفوذ أو التنازلات الأمنية، وبناءً عليه يتم تخفيض العلاقة أو إلغاؤها تماماً.

البروفيسور ستيف لامي، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية في جامعة جنوب كاليفورنيا، أكد في تصريحات لموقع الجامعة أنّ “السياسة الخارجية الحالية لترامب ترفض 80 عاماً من القيادة الأمريكية في الشؤون العالمية التي روّجت للديمقراطية والرأسمالية وسيادة القانون من خلال التعاون متعدد الأطراف”.

ويضيف أن موقف ترامب يشير إلى أن “المصالح المادية تتفوق على الأهداف القائمة على المُثُل والمبادئ”.

وتجسد استراتيجية ترامب تجاه غرينلاند بوضوح هذا النهج الهجين، إذ نقلت صحيفة “تايم” الأمريكية عن رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن قوله: “لا مزيد من الضغط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من خيالات الضم”.

لكن ترامب أصر على أن الولايات المتحدة ستفعل شيئاً بشأن غرينلاند “سواء أعجبهم ذلك أم لا”، مبرراً ذلك بأن روسيا أو الصين ستستولي عليها إذا لم تفعل أمريكا.

وأضاف ترامب: “أرغب في عقد صفقة بالطريقة السهلة. لكن إذا لم نفعلها بالطريقة السهلة، سنفعلها بالطريقة الصعبة”.

هذا النهج دفع محللين للتحذير من أن “خطر هجوم أمريكي على غرينلاند حقيقي ويجب أن يُعامل كتهديد فوري من قبل المجتمع الدولي”.

وأشاروا إلى أن استراتيجية غرينلاند تتعلق أساساً بالمعركة الاقتصادية الأمريكية مع الصين، موضحاً أن البيانات تشير إلى أن الصين تكرر ما بين 40 إلى 90 % من الإمدادات العالمية للمعادن النادرة الحيوية.

غزة.. عندما يصبح التطهير العرقي “صفقة عقارية”

في فبراير 2025، صدم ترامب العالم بإعلانه أن الولايات المتحدة ستسيطر على قطاع غزة، واصفاً المنطقة المدمرة بأنها ستصبح “ريفييرا الشرق الأوسط”.

اقترح ترامب نقل 2.3 مليون فلسطيني إلى مصر والأردن ودول عربية أخرى، في خطة أثارت إدانات دولية واسعة.

ونقلت مجلة “فورين بوليسي” عن خالد الجندي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، قوله: “ترامب يضيف الآن غزة – إلى جانب غرينلاند وبنما وكندا – إلى قائمة الأراضي التي يريد الاستيلاء عليها. قد يبدو الأمر كوميدياً، لكن قلة في المنطقة يضحكون”.

وتشير المجلة إلى أن “الشرق الأوسط عانى عقوداً من عدم الاستقرار بسبب التطهير العرقي للفلسطينيين الذي حدث عام 1948”.

وتقارن “سي إن إن” بين موقف ترامب من غرينلاند وغزة، مستشهدة بتصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قال بسخرية: “فلسطين لا يمكن حذفها والفلسطينيون لا يمكن طردهم. اقتراحي: بدلاً من الفلسطينيين، حاولوا طرد الإسرائيليين إلى غرينلاند. خذوهم إلى غرينلاند حتى تحلوا مشكلتين بضربة واحدة”.

استراتيجية الأمن القومي.. الصفقات أولاً

وثيقة الاستراتيجية الأمنية القومية لعام 2025 كشفت عن تحول جذري في التفكير الأمريكي.

ونقل مجلس العلاقات الخارجية عن خبرائه قولهم إن الوثيقة “أكثر جدلية من كونها سياسة”، وأنها فقدت البوصلة التي وحّدت الإدارة الأولى لترامب: المنافسة مع القوى العظمى الصين وروسيا.

ووفقاً لتحليل “تشاثام هاوس”، فإن الوثيقة الجديدة “مدفوعة بالصفقات التجارية والتكيف مع الأنظمة الاستبدادية”. المعهد يقارن بين وثيقتي 2017 و2025.

وأوضح أن الأولى كانت “نصاً توفيقياً بين المعتدلين والمتطرفين في الإدارة”، بينما الثانية “يحركها فقط الموالون الذين دفعوا برؤية ترامب دون رقابة”.

البروفيسور جيمس ليندسي من مجلس العلاقات الخارجية يحذر من أن هذه الاستراتيجية “تبدد ميزة أمريكا في التحالفات والتكنولوجيا والمالية، ولا تقدم أي خطة متماسكة لتنظيم العالم الحر”.

شعبية متدنية ونهج محفوف بالمخاطر

ونقلت “سي إن إن” نتائج استطلاعات تظهر معارضة أمريكية واسعة لسياسات ترامب التوسعية: 74 % من الأمريكيين عارضوا السيطرة على غزة، و73 % عارضوا محاولة الاستيلاء على غرينلاند.

الصحيفة تنقل عن استطلاع لـ CBS News و YouGov أن 75 % من الأمريكيين، بما فيهم 57 % من الجمهوريين، يعتقدون أن إدارة ترامب لا تركز بشكل كافٍ على خفض تكاليف السلع والخدمات.

وقال جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق في الإدارة الأولى لترامب، لـ NPR: “لا توجد استراتيجية أمنية كبرى. لقد اتخذ آلاف القرارات في ولايته الأولى، لكنها موجودة كأرخبيل كبير من النقاط المتناثرة دون أي خطة توحدها”.

الأثر على النظام الدولي

ويحذر لامي من أنه “إذا نفذ ترامب استراتيجية دبلوماسية قسرية للسيطرة على غرينلاند بالقوة أو التهديد بها والعقوبات التجارية، فإن الناتو سيدين هذا الإجراء”.

وأضاف أن “مشاركة الولايات المتحدة في الحلف ستنتهي على الأرجح، مما سيدفع أوروبا وكندا لتشكيل منظمة دفاع جماعي جديدة”.

ونقل “مجلس الأطلسي” عن خبرائه أن نهج ترامب يستخدم “أدوات اقتصادية مثل الصفقات التجارية وضغط التعريفات والحوافز المستهدفة لجلب الأطراف إلى الطاولة وتعزيز المصالح الأمريكية”.

لكن المجلس يحذر من أن هذا الأسلوب “يهدف إلى تحقيق نتائج سريعة غير أنه يخاطر باستبدال المكاسب قصيرة الأجل بالسلام طويل الأجل”.

تحليل “تشاثام هاوس” يلخص المشهد قائلاً: “باستبدال القدرة على التنبؤ بالشخصية، والمؤسسات بالارتجال، جعل ترامب السياسة الخارجية الأمريكية أكثر مرونة، لكن أيضاً أكثر هشاشة”.

السؤال الأكبر كما يطرحه المعهد: “هل يمكن لقوة عظمى أن تستمر على صنع الصفقات وحدها؟ هل يمكن لبلد بُني على التحالفات أن يتعامل مع العلاقات الدبلوماسية كمعاملات تجارية؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى