من شرم الشيخ تبدأ نهاية الحرب… وانطلاق رحلة السلام وبناء غزة وفلسطين

بقلم عزام عبد الكريم الشوا
من شرم الشيخ تبدأ نهاية الحرب… وانطلاق رحلة السلام وبناء غزة وفلسطينمن رحم الألم تولد البدايات، ومن رماد الحرب تشرق شمس السلام. فمن بين الركام يولد الغد، ومن قلب الجراح تنبت الحياة. هذه ليست مجرد كلمات شعرية نواسي بها أنفسنا نحن الفلسطينيين، بل هي حقيقة نعيشها ونعرف معناها جيدًا، نحن الذين ذقنا مرارة الحروب جيلًا بعد جيل، ودفنّا تحت أنقاضها أحلامًا وأعمارًا وأجيالًا كاملة. اليوم، ومع كل هذا النزف، نرفع أنظارنا نحو أفقٍ جديد، نبحث عن بصيص أمل يخرجنا من عتمة الموت والحصار إلى رحابة الحياة الكريمة والحرية والسيادة.
لقد علّمتنا هذه الحرب، بكل ما حملته من مآسٍ ودمار، أن اليأس ليس خيارًا، وأن التمسك بالأمل ليس ترفًا، بل واجب وطني ووجودي. ونحن الفلسطينيين، الذين لم تنكسر إرادتنا رغم كل ما واجهناه، نؤمن أن لحظة التحوّل الكبرى قد بدأت تتشكل فعلًا في هذه الأيام التاريخية، وأن التاريخ يفتح أمامنا صفحة جديدة نكتب فيها مستقبلنا بأيدينا، إذا أحسنا قراءة اللحظة واستثمار الفرصة.
هذه اللحظة ليست مجرد وقفا لإطلاق النار أو إعلانٍ لانتهاء جولة من جولات الصراع الطويل، بل هي نقطة تحوّل مفصلية يمكن أن تعيد رسم ملامح المستقبل الفلسطيني برمّته. ففي لحظات التاريخ الكبرى، لا يكفي أن نخرج من الحرب مثخنين بالجراح، بل علينا أن نحول الدماء التي سالت إلى دافعٍ لبناء وطن، وأن نجعل من آلامنا وقودًا لمسيرةٍ نحو الحرية والسيادة والاستقلال. إننا أمام فرصة تاريخية لا يجب أن نهدرها، فرصة لنعيد ترتيب بيتنا الفلسطيني، ولنوحد صفوفنا، ونرسم مشروعنا الوطني بأيدينا، لا بأقلام الآخرين ولا بإملاءات أحد.
ولعل ما يميز هذه اللحظة أن العالم أجمع، من الشرق إلى الغرب، بات يدرك حجم الكارثة التي مرّت بها غزة، ويدرك أن استمرار النزيف لم يعد مقبولًا ولا ممكنًا. لقد أدركت القوى الكبرى أن إنهاء هذه الحرب ليس نهاية لصراعٍ محليّ، بل مفتاح لاستقرارٍ إقليميّ ودوليّ، وأن إعادة إعمار غزة لا تتعلق فقط بالحجارة والمباني، بل بإعادة بناء الثقة في إمكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية. وهذا الإدراك العالمي، إذا أحسنا استثماره، قد يكون أعظم ما خرجنا به من أتون هذه الحرب المدمّرة.
في قلب هذا التحول التاريخي، تقف مصر – الشقيقة الكبرى – بثقلها ومكانتها ومسؤوليتها العربية والتاريخية، لتقود المشهد نحو نهايةٍ طال انتظارها. من شرم الشيخ، المدينة التي كانت عبر التاريخ ملتقى للسلام والتفاهم، تنطلق اليوم المبادرة التي قد تُنهي واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. لقد أثبتت القيادة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن دورها ليس هامشيًا ولا ثانويًا، بل هو حجر الزاوية في أي جهد حقيقي لإطفاء نيران الحرب وفتح أبواب السلام. مصر التي احتضنت القضية الفلسطينية منذ نشأتها، لا تزال وفية لرسالتها ودورها التاريخي، تجمع الفرقاء، وتدعو العالم، وتدفع نحو تسوية تُنهي مأساة غزة وتمنح شعبها الأمل بالحياة من جديد.
ومن خلال هذه المبادرة، استطاعت القاهرة أن تعيد تموضعها في قلب المعادلة الدولية، وأن تجمع على أرضها مختلف القوى المؤثرة لصياغة لحظة جديدة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، إلى رسم ملامح مرحلة سياسية واقتصادية وإنسانية شاملة. لقد أدركت مصر أن إنهاء الحرب لا يكفي ما لم يتبعه مشروع سلام حقيقي يفتح الطريق لإعادة الإعمار، وعودة الحياة إلى غزة، وبناء المستقبل الفلسطيني على أسسٍ متينة. إن ما تقوم به القاهرة اليوم لا يعكس فقط مسؤوليتها الإقليمية، بل يثبت أن العرب قادرون على أن يكونوا في مقعد القيادة إذا امتلكوا الرؤية والإرادة.
ولأن السلام الحقيقي لا يصنع في فراغ، فقد كان الحضور الدولي الفاعل في شرم الشيخ إشارة بالغة الأهمية إلى أن العالم لم يعد قادرًا على تجاهل المأساة الفلسطينية، ولا الاستمرار في إدارة الظهر لما يحدث في غزة. مشاركة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، والقوى الكبرى من الشرق والغرب، والدول العربية المؤثرة مثل السعودية وقطر والإمارات والأردن وتركيا وبريطانيا، تعكس قناعة دولية بأن الوقت قد حان لوضع حدٍّ لهذه الدائرة الجهنمية من الدماء والدمار. هذا التجمع غير المسبوق ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو إعلان بأن إنهاء الحرب وبداية السلام أصبحا مصلحة دولية وإقليمية، لا قضية فلسطينية فحسب.
لكن الأهم من ذلك أن نحافظ نحن الفلسطينيين على هذه اللحظة التاريخية، وأن نتمسك بهذا الزخم الدولي ونبني عليه. فالفرص الكبرى لا تتكرر كثيرًا، وإذا أضعنا هذه اللحظة كما أضعنا غيرها في الماضي، سنجد أنفسنا نعود إلى نقطة الصفر. إن وجود هذا الاصطفاف الدولي والعربي حول ضرورة إنهاء الحرب وإعادة الإعمار يجب أن يدفعنا نحن إلى تحمل مسؤولياتنا الكاملة، وإعادة ترتيب بيتنا الداخلي، وتوحيد كلمتنا، وطرح مشروعنا الوطني بوضوح وثقة. إن العالم لن ينتظرنا طويلًا، ولن يبقى داعمًا إذا لم يرَ إرادة فلسطينية جادة في البناء والتوحد وصناعة المستقبل.
لقد كانت هذه الحرب أكثر من مجرد معركة عسكرية؛ كانت زلزالًا إنسانيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في غزة، المدينة التي لم تعرف سوى الصمود، نزفنا الدم ودفنّا الأحلام. آلاف الشهداء من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء ارتقوا تحت القصف، وآلاف الجرحى تركت الحرب على أجسادهم ندوبًا لا تندمل. بيوت سويت بالأرض، ومدارس ومستشفيات تحولت إلى ركام، وأحياء بأكملها اختفت من الخريطة. نحن الفلسطينيين لا نحمل فقط أوجاع الفقد، بل نحمل أيضًا عبء إعادة الحياة من تحت الأنقاض. هذه الحرب لم تستهدف البشر وحدهم، بل حاولت قتل الروح الفلسطينية، روح البقاء والتمسك بالأرض والحلم والكرامة.
ورغم كل هذا الألم، لم تنكسر إرادتنا، ولم تفقد غزة قدرتها على النهوض من جديد. من قلب الجراح ينبض الأمل، ومن تحت الركام تخرج الحياة من جديد. هذه المعاناة الهائلة ليست سببًا للانكسار، بل يجب أن تكون الدافع الأكبر نحو الوحدة والعمل، نحو أن نثبت للعالم أن إرادتنا أقوى من الدمار، وأن حلمنا بفلسطين حرة مستقلة لن يدفن تحت أنقاض الحرب. إننا اليوم أمام امتحان تاريخي: إما أن نحول هذا الألم إلى قوة تدفعنا للأمام، أو نتركه يتحول إلى حائط يقيد مستقبلنا. والخيار يجب أن يكون واضحًا: من رماد الحرب نصنع فجر الدولة.
إن الحديث عن وقف الحرب وبداية السلام لن يكتمل من دون الحديث عن الإعمار، فهو ليس مجرد مشروع هندسي أو خطة لإعادة بناء الحجر، بل هو فعل سيادي وطني بامتياز. الإعمار هو إعلان الحياة في وجه الموت، وإرادة الوجود في مواجهة محاولات الإلغاء. وهنا تبرز مسؤوليتنا نحن الفلسطينيين – بكل مكوناتنا – في أن نكون في مقدمة هذه المعركة الجديدة، معركة البناء والنهوض. لا يمكننا أن نعتمد فقط على المساعدات الخارجية أو انتظار ما ستقرره الدول المانحة، بل يجب أن نعبئ طاقاتنا الوطنية، مؤسساتنا العامة والخاصة، صناديقنا وبنوكنا، ورجال أعمالنا، لنكون نحن من يقود عملية الإعمار ويحدد أولوياتها وأهدافها.
الإعمار أيضًا هو امتحان لمؤسساتنا الوطنية: هل نستطيع أن نعمل بشفافية وكفاءة؟ هل نملك الجرأة لتجاوز البيروقراطية والانقسامات؟ وهل نستطيع أن نوجه الموارد نحو من يستحقونها حقًا؟ البنوك الفلسطينية والصناديق الوطنية يجب أن تكون جزءًا من هذا المشروع التاريخي، لا فقط كممولين، بل كشركاء في رسم الرؤية وإدارة التنفيذ. كما يجب أن تخصص صناديق لتعويض المؤسسات المالية التي تكبدت خسائر تقدر بأكثر من 1.5 مليار دولار خلال العدوان، حتى تعود عجلة الاقتصاد للدوران وتستعاد الثقة بالمنظومة المالية الفلسطينية. إن إعادة بناء غزة ليست مهمة جيل واحد، بل مشروع وطني جامع يشترك فيه الجميع: الدولة والقطاع الخاص، الداخل والشتات، الكل الفلسطيني بلا استثناء.
ولا يمكن لأي حديث عن المستقبل أن يكتمل من دون التوقف عند حجر الأساس لكل ما هو آتٍ: وحدتنا الوطنية. إن الإعمار بلا وحدة سيكون هشًا، والسلام بلا مصالحة سيكون مؤقتًا، والدولة بلا مشروع وطني جامع لن تقوم. نحن الفلسطينيين مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نتجاوز جراح الانقسام وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إن دماء الشهداء التي روت تراب غزة لا تعرف الفصائلية ولا الحزبية، وإن صرخات الأطفال تحت الركام لم تنادِ سوى باسم واحد: فلسطين. فلنلتف حول هذا الاسم، ولنصنع منه راية واحدة نبحر بها نحو المستقبل، ولنثبت للعالم أن هذا الشعب الذي عجزت الحروب عن كسره لن تعجزه الخلافات عن توحيده.
وفي هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا، نوجه نداءً إلى أنفسنا أولًا، وإلى أمتنا العربية والإسلامية، وإلى العالم بأسره: أن يقف الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية. آن الأوان لأن ننهي صفحة الدم ونفتح صفحة الحياة، آن الأوان لأن نبني دولة الحرية والسيادة والكرامة، آن الأوان لأن نعيد فلسطين إلى موقعها الطبيعي في قلب التاريخ والجغرافيا. هذه ليست لحظة طرف دون آخر، بل لحظة وطن بأكمله، لحظة يجب أن نكون فيها جميعًا – قيادةً وشعبًا ومؤسسات – على قلب رجل واحد.
من شرم الشيخ تبدأ نهاية الحرب، ومن هذه اللحظة تنطلق رحلة السلام، ومن رماد الحرب نصنع فجر الدولة.
⸻








