المواطن

مساعدات غزة.. عندما تتحول إلى امتياز مشروط … كتبت أمينة خليفة

6 فبراير 2026
أمينة خليفة

في قلب المشهد الإنساني المعقد الذي يعيشه قطاع غزة، تتزايد الأسئلة حول آليات إدارة الموارد الأساسية، في ظل تقارير متواترة تفيد بأن حركة حماس تحتفظ بعدد كبير من المستودعات المليئة بالمعدات والمواد الغذائية، التي يُفترض أنها مخصصة لتخفيف معاناة السكان، لكنها تُدار وفق اعتبارات لا تبدو إنسانية بقدر ما هي تنظيمية وسياسية.

 

ولا يخفى أن وجود هذه المستودعات، في حد ذاته، ليس موضع جدل، بل إن الإشكالية تكمن في طريقة توزيع محتوياتها، إذ تشير شهادات محلية وتقارير ميدانية إلى أن عملية التوزيع لا تقوم على معايير الاحتياج أو الأولوية للأسر الأكثر تضررًا، وإنما تخضع لاعتبارات داخلية تتعلق بالولاء والتنظيم والانتماء.

 

ربما يثير هذا النمط من الإدارة حالة متنامية من الاستياء بين سكان القطاع، الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، في ظل شح الغذاء، وتراجع الخدمات الصحية، وانهيار القدرة الشرائية، ما يجعل أي تمييز في توزيع المساعدات بمثابة تكريس إضافي لمعاناة قائمة أصلًا.

 

وبينما ترى منظمات إنسانية محلية ودولية أن ما يجري يتعارض مع المبادئ الأساسية للعمل الإغاثي، التي تقوم على الحياد والاستقلال وعدم التمييز، إلا أن تسييس المساعدات يُفقدها جوهرها الإنساني ويحولها من أداة إنقاذ إلى وسيلة ضغط وسيطرة، كما أن الانتقائية في التوزيع لا تقتصر آثارها على الجانب المعيشي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه، حيث تسهم في تعميق مشاعر الظلم والانقسام داخل المجتمع الغزي، وتخلق فوارق مصطنعة بين فئات تعاني جميعها، نظريًا، من الأزمة ذاتها.

 

وبالتأكيد، تزداد خطورة هذا المشهد في ظل غياب آليات رقابة مستقلة سواء من جهات محلية أو دولية، قادرة على تتبع مسار المساعدات منذ دخولها القطاع وحتى وصولها إلى مستحقيها، وهذا ما يفتح الباب واسعًا أمام توظيف هذه الموارد في خدمة أجندات غير إنسانية.

 

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن السياق السياسي الأوسع، إذ قد تستخدم حماس السيطرة على الغذاء والمواد الأساسية كأداة لإعادة إنتاج نفوذها وضبط المجتمع، وفرض معادلة مفادها أن الحصول على الاحتياجات الأساسية يمر عبر بوابة الحركة.

 

وفي المقابل، تجد الحركة نفسها أمام خطاب دفاعي يعتبر أن إدارة الموارد في ظل الحصار والانقسام أمر معقد، وأن الأولويات تفرضها اعتبارات أمنية وتنظيمية، غير أن هذا التبرير لا يلقى قبولًا واسعًا لدى المتضررين، الذين يرون في غياب العدالة توزيعًا إضافيًا للألم.

 

ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، يصبح هذا السلوك عاملًا مضاعفًا للمعاناة، إذ لا يؤدي فقط إلى حرمان فئات واسعة من المساعدات، بل يضعف ثقة السكان بأي مسار إغاثي، ويعزز الشعور بأن المعاناة تُدار، لا تُحل، كما أن استمرار هذه الممارسات ينعكس سلبًا على صورة العمل الإنساني في غزة، ويُربك جهود المانحين والمنظمات الدولية، التي تجد نفسها أمام تحدي ضمان وصول مساعداتها إلى مستحقيها، دون أن تُستغل أو تُوظف سياسيًا.

 

ويبدو أن هذا النهج، إذا استمر، فقد يدفع بعض الجهات الدولية إلى تقليص دعمها، أو فرض شروط أكثر صرامة، ما يعني أن الخاسر الأكبر سيكون السكان أنفسهم، الذين يدفعون ثمن صراعات لا يملكون أدوات التأثير فيها، لذلك تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في منظومة إدارة المساعدات داخل القطاع، بما يضمن الشفافية والعدالة، ويفصل بين الإغاثة والعمل السياسي، باعتبار أن الغذاء والدواء ليسا أوراق تفاوض أو أدوات ضبط اجتماعي.

 

وفي المحصلة، تبدو أزمة المستودعات والتوزيع الانتقائي انعكاسًا مكثفًا لأزمة أعمق يعيشها قطاع غزة، حيث تتداخل السياسة مع لقمة العيش، وتتحول الموارد الإنسانية من حق أساسي إلى امتياز مشروط، في مشهد يزيد من شعور السكان بالظلم، ويؤجل أي أمل حقيقي في تخفيف معاناتهم.