المواطن

واقع أمني مأزوم على سكان الضفة

23 يناير 2026
أمينة خليفة

في مشهد يتكرر بوتيرة متصاعدة، شهد شمال الضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي تكثيفًا لافتًا في عمليات قوات الاحتلال، التي ركزت تحركاتها بشكل أساسي على مدينتي جنين وطولكرم، في إطار حملة أمنية واسعة وُصفت بأنها من الأوسع منذ شهور، وأسفرت عن اعتقال أكثر من 50 فلسطينيًا، وسط اقتحامات متواصلة ومداهمات ليلية أعادت إلى الواجهة واقعًا أمنيًا مأزومًا لم يغادر حياة السكان منذ وقت طويل.

هذا التصعيد، الذي لم يعد حدثًا استثنائيًا بل بات نمطًا شبه دائم، والذي يعكس تحول شمال الضفة إلى ساحة ضغط أمني مستمر، حيث تتحرك القوات الإسرائيلية وفق منطق “الاحتواء بالقوة”، معتمدة على الاعتقالات الواسعة والاقتحامات المفاجئة كأدوات رئيسية لإعادة ضبط المشهد، في ظل اتهامات دائمة للمنطقة باحتضان خلايا مسلحة أو بنى تنظيمية خارجة عن السيطرة.

ومثلا في جنين، المدينة التي تحولت خلال العامين الماضيين إلى رمز للمواجهة المفتوحة، فبدت الحملة الأخيرة امتدادًا لسلسلة عمليات لم تهدأ، حيث داهمت القوات أحياء سكنية ومخيم جنين، وفرضت طوقًا أمنيًا مشددًا، ترافق مع اشتباكات متفرقة وإغلاق طرق وترويع للسكان في مشهد بات مألوفًا لكنه لا يفقد قسوته مع التكرار.

أما طولكرم، التي ظلت لفترة أقل حضورًا في مشهد التصعيد مقارنة بجنين، فقد شهدت بدورها تحركًا أمنيًا مكثفًا، مع اقتحام المخيمات ومناطق داخل المدينة، واعتقالات طالت شبانًا وناشطين، ما يشير إلى اتساع رقعة الاستهداف وعدم حصرها في بؤر تقليدية، بل التعامل مع شمال الضفة كوحدة أمنية واحدة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

كما أن الاعتقالات التي تجاوز عددها الخمسين خلال أيام قليلة، لم تقتصر على مطلوبين تتهمهم إسرائيل بالضلوع في أنشطة مسلحة، بل شملت أيضًا شبانًا جرى احتجازهم للتحقيق الميداني أو ضمن سياسة الضغط الوقائي وهو ما يضاعف من شعور السكان بأن الحملة تتجاوز البعد الأمني إلى فرض حالة ردع جماعي.

وبالتأكيد سينعكس هذا الواقع الأمني المتوتر بشكل مباشر على الحياة اليومية للفلسطينيين، الذين يعيشون منذ أكثر من عامين على وقع أزمات متداخلة، أمنية واقتصادية واجتماعية، والتي جعلت من الاستقرار حلمًا مؤجلًا، ومن العودة إلى “الحياة الطبيعية” هدفًا يبدو بعيد المنال، في ظل الإغلاقات المتكررة، وتعطّل العمل، وتراجع النشاط التجاري.

ولا تبدو هذه المعاناة منفصلة عن السياق الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتقاطع سياسات الاحتلال الأمنية مع حالة سياسية فلسطينية مأزومة، وغياب أفق حقيقي للحل، ما يترك المدن والمخيمات مكشوفة أمام موجات تصعيد متكررة، دون أدوات حماية فعالة، أو قدرة على كسر دائرة العنف المتبادل.

وإضافة إلى ذلك، فتبرر إسرائيل هذه العمليات بضرورات “منع الهجمات” و”تفكيك البنى المسلحة”، معتبرة أن شمال الضفة بات يشكل تهديدًا أمنيًا متزايدًا، غير أن هذه المقاربة القائمة على القوة وحدها، لم تؤدي سوى إلى تعميق الغضب الشعبي وخلق بيئة أكثر قابلية للانفجار، بدل احتواء التوتر.

كما يبدو أن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، خاصة في ظل غياب أي مسار سياسي يوازي الحلول الأمنية، فالمداهمات والاعتقالات مهما اتسعت لا تعالج جذور الأزمة بل تعيد إنتاجها في شكل أكثر تعقيدًا، مع كل جولة اقتحام جديدة.

وعلى المستوى الإنساني، يعيش السكان حالة إنهاك واضحة، فالأمهات يترقبن عودة أبنائهن من الاعتقال، والأطفال يعتادون أصوات الرصاص والاقتحامات، والعمال يفقدون مصادر رزقهم بسبب الإغلاقات، في مشهد يعكس ثمنًا اجتماعيًا باهظًا لا يظهر في البيانات العسكرية، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية.

ويطرح هذا التصعيد المتواصل أسئلة جوهرية حول مستقبل شمال الضفة الغربية، وما إذا كانت هذه السياسة الأمنية المفتوحة ستقود إلى تهدئة مستدامة، أم أنها مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، تُبقي المنطقة في حالة غليان دائم، دون أفق واضح للخروج من دائرة العنف وعدم الاستقرار.

وفي النهاية، تبدو جنين وطولكرم اليوم عنوانًا لمرحلة ضاغطة يعيشها شمال الضفة، مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المعاناة الإنسانية، وتُترك فيها مدن كاملة عالقة بين مطرقة الاقتحامات وسندان غياب الحلول، بينما يواصل السكان انتظار لحظة هدوء حقيقية، تعيد لهم حقهم البسيط في حياة آمنة ومستقرة.


أمينة خليفة