السِّلم الأهلي وسيادة القانون : بقلم : المختارة فاتن حرب
19 يناير 2026
معادلة البقاء في زمن ما بعد الحرب
في أعقاب الحروب المدمرة لا يكون الخراب ماديًا فحسب، بل يمتد عميقًا إلى الروح الجمعية للمجتمع.
وبعد الحرب الشرسة على غزة، وما خلّفته من دمار شامل طال الإنسان والمكان والمؤسسات، تبرز قضية السِّلم الأهلي وسيادة القانون بوصفها التحدي الأشد إلحاحًا، بل الشرط الأول لأي تعافٍ وطني حقيقي.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن المجتمعات الخارجة من النزاعات لا تُهدَّد فقط ببقايا القصف والركام، بل بما هو أخطر: التفكك الاجتماعي، والانقسام الداخلي، وتآكل الثقة بين الأفراد، وغياب المرجعية القانونية الضامنة للحقوق والواجبات. من هنا، تصبح أولوية الحفاظ على النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
في غزة اليوم، حيث دُمِّرت معظم المؤسسات الحكومية، وغابت المنظومة العدلية بمكوناتها المختلفة، وجد المجتمع نفسه أمام فراغ قانوني خطير. هذا الغياب، مهما كانت مبرراته القسرية، ترك آثارًا سلبية واضحة، تمثلت في تزايد النزاعات المجتمعية، وتراجع الشعور بالأمان، وظهور أنماط من “العدالة البديلة” التي قد تنجح مؤقتًا في احتواء الأزمات، لكنها لا يمكن أن تشكّل بديلًا دائمًا عن دولة القانون.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي اضطلع به رجال الإصلاح والوجهاء والشخصيات المجتمعية خلال فترة الحرب. فقد شكّل هؤلاء صمام أمان اجتماعي، وأسهموا، بجهود ذاتية وحكمة متوارثة، في الحد من تفاقم الخلافات، ومنع انزلاق المجتمع إلى اقتتال داخلي كان يمكن أن يكون أكثر فتكًا من الحرب ذاتها. لقد كان دورهم إنسانيًا وأخلاقيًا بامتياز، ويستحق التقدير والاعتراف.
لكن الإقرار بأهمية هذا الدور لا يعني القبول باستدامة غياب سلطة القانون. فالمجتمع السليم لا يمكن أن يُدار إلى الأبد عبر الحلول العرفية أو المبادرات الفردية، مهما بلغت حكمتها ونُبل مقاصدها. إن غياب القانون يُضعف هيبة الدولة، ويُرسّخ منطق القوة بدل العدالة، ويجعل السلم الأهلي هشًّا، قابلًا للانفجار عند أول اختبار حقيقي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى العمل السريع والمنظّم لإعادة ترتيب البيت الداخلي، والبدء بخطوات جدية لإحياء الجهات الرسمية الحكومية والقانونية، بما يضمن إعادة الأمن والنظام إلى الجبهة الداخلية. فسيادة القانون ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية المجتمع من الفوضى، وصون كرامة الإنسان، وضمان العدالة والمساواة بين المواطنين.
إن إعادة بناء المنظومة العدلية، ولو بشكل تدريجي، تشكّل رسالة طمأنينة للمجتمع من جهة، وللعالم من جهة أخرى، مفادها أن هذا الشعب، رغم الجراح، متمسك بقيم العدالة والحكم الرشيد. وهي أيضًا خطوة أساسية لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة، وبين الفرد والدولة.
ولعلّ أهم ما يجب التأكيد عليه أن السلم الأهلي وسيادة القانون ليسا مسارين متوازيين، بل مسارًا واحدًا لا ينفصل. فلا سلم حقيقي بلا عدالة، ولا عدالة قابلة للحياة بلا نسيج اجتماعي متماسك. وفي السياق الفلسطيني، حيث تتضاعف التحديات بفعل الاحتلال والحصار، تصبح هذه المعادلة أكثر حساسية وأشد تعقيدًا.
إن حماية المجتمع من التفكك، ومنع الانزلاق إلى صراعات داخلية، يتطلبان إرادة سياسية، ووعيًا مجتمعيًا، وشراكة حقيقية بين مختلف الفاعلين: الرسميين، والمجتمعيين، والأكاديميين، ورجال الإصلاح. كما يتطلبان خطابًا عقلانيًا جامعًا، يعلو فوق الجراح، ويضع مصلحة الإنسان في صدارة الأولويات.
في النهاية، قد تُدمَّر المدن وتُهدم المؤسسات، لكن ما لا يجوز أن يُهدم هو الإيمان بإمكانية النهوض من جديد. فالسلم الأهلي وسيادة القانون ليسا مجرد شعارات لمرحلة ما بعد الحرب، بل هما الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل، والضمانة الوحيدة لئلا تتحول المعاناة إلى قدرٍ دائم، ولئلا يُستبدل دمار الحرب بفوضى السلام.