وحدة الأصدقاء العظماء: حين يصبح الاحتواء عبئًا لا يراه أحد
بقلم: د. علاء الدين محمد عبد العاطي
ليس كل من يُحسن الإصغاء يجد من يسمعه، ولا كل من يحتضن الآخرين يجد من يحتضنه؛ فبعض الوحدات تولد في قلب العلاقات لا خارجها.
عِشتُ وحيدًا، بقدر ما قيل لي إنني صديقٌ رائع.
ليست هذه العبارة اعترافًا عابرًا، بل توصيفًا دقيقًا لمفارقة إنسانية تناولتها العلوم النفسية والاجتماعية مطولًا؛ مفادها أن القدرة العالية على الاحتواء والدعم لا تعني بالضرورة تلقّي المعاملة ذاتها. فالأفراد الذين يُوصَفون بأنهم “أصدقاء عظماء” غالبًا ما يمتلكون مستوى مرتفعًا من الذكاء العاطفي، يتيح لهم قراءة مشاعر الآخرين، والاستجابة لاحتياجاتهم، وتقديم الحضور الصادق في لحظات الضعف. غير أن هذا التفوق العاطفي نفسه قد يضعهم، دون وعي، في موقع العطاء المستمر مقابل تلقٍّ محدود أو غائب.
ويُفسّر علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة بما يُعرف بـ اختلال التبادلية العاطفية؛ حيث يعتاد المحيطون بالشخص الداعم على وجوده بوصفه أمرًا مُسلّمًا به، فيتراجع وعيهم بالحاجة إلى ردّ الدعم أو المبادرة بالسؤال والاحتواء. ومع مرور الوقت، تتشكّل علاقة غير متكافئة: طرف يمنح باستمرار، وآخر يعتاد الأخذ، لا بدافع الأنانية بالضرورة، بل نتيجة غياب الإحساس بالمسؤولية المقابلة.
أما الوحدة هنا، فهي لا تعني غياب الناس، بل غياب المرآة الإنسانية؛ ذلك الشخص الذي يرى الداعم كما هو، لا كما يحتاجه الآخرون أن يكون. وتشير دراسات حديثة في علم النفس الوجودي إلى أن أعمق أشكال الوحدة لا تنبع من العزلة، بل من الشعور بأن دورك قد اختُزل في وظيفة واحدة: الإصغاء، الفهم، والتماسك الدائم.
ومن المفارقات المؤلمة أن المجتمع غالبًا ما يكافئ “الصديق الرائع” بالثناء اللفظي لا بالحضور الفعلي؛ فيُقال له كثيرًا: أنت لا تُعوّض، بينما يُترك وحيدًا في لحظاته الخاصة. وهكذا تتكوّن فجوة صامتة بين الصورة العامة المشرقة، والواقع الداخلي المثقل.
إن النضج الإنساني الحقيقي يبدأ حين يدرك المرء أن العطاء بلا حدود لا يصنع علاقات صحية، وأن القوة العاطفية لا تُقاس بقدرتك على حمل الجميع، بل بقدرتك على الاعتراف بحاجتك أنت أيضًا. فالصداقة، وفق المعايير النفسية السليمة، ليست بطولة فردية، بل توازن دقيق بين الأخذ والعطاء، وبين الإصغاء والبوح، وبين حضورٍ متبادل يحفظ للإنسان إنسانيته.
بقلم: د. علاء الدين محمد عبد العاطي
خاص – قناة المواطن
رابط الكاتب: د. علاء الدين عبد العاطي








