حين يتكلم الضمير العربي .. أبو هولي يعيد قضية اللاجئين إلى قلب المشهد الدولي

كتب زياد عوض
لم تكن زيارة الدكتور أحمد أبو هولي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شؤون اللاجئين، إلى المملكة العربية السعودية، مجرّد محطة عابرة في مسار الدبلوماسية العربية، ولا فصلًا عاديًا في سجل اللقاءات الرسمية، بل جاءت في لحظةٍ تتكاثف فيها الغيوم، ويضيق فيها الأفق، وتتعاظم فيها الأسئلة القلقة عن مصير شعبٍ أُنهك بالاقتلاع، وأُتعب بطول الانتظار.
جاءت الزيارة فيما غزة تُثقلها النار، والمخيمات تُطوَّق بالجراح، واللاجئون يُدفعون مرةً أخرى إلى أطراف النسيان، فيما تقف الأونروا الشاهد الأخير على نكبة لم تُغلق فصولها عند تخوم العجز والخذلان. وفي هذا المشهد القاتم، بدا حضور أبو هولي محاولةً واعية لإعادة ترتيب الضمير السياسي، لا إدارة أزمة عابرة، ولا ترميم خطابٍ فقد صداه.
أولاً: حين تصبح الكلمة موقفًا
في الندوة الدولية التي نظّمتها منظمة التعاون الإسلامي تحت عنوان القضية الفلسطينية: التحديات والآفاق ، لم يكن حديث أبو هولي سردًا للأوجاع، بل مساءلةً صريحةً للعالم عن صمته الطويل. تحدث بلهجة من يدرك أن الحق لا يُوهب، بل يُنتزع وعيًا وصبرًا، وأن فلسطين ليست حالة طارئة في نشرات الأخبار، بل قضية أخلاقية تختبر صدق الضمائر.
بدت الأونروا في كلماته أكثر من مؤسسة إغاثية؛ بدت ذاكرةً حيّة لشعب اقتُلع من أرضه، وسجلًا مفتوحًا للعدالة المؤجلة. ومن هنا، سعى إلى توحيد الموقف العربي والإسلامي حول ضرورة صون هذه المؤسسة، لا باعتبارها جهازًا إداريًا، بل بوصفها شاهدًا على حق لا يسقط بالتقادم.
ثانيًا: حين يصبح الدعم واجبًا لا منّة
لم يكن حديثه عن الأزمة المالية للأونروا تعدادًا للأرقام، بل قراءةً في مصائر البشر. ستة ملايين لاجئ يقفون على حافة القلق، مدارس مهددة بالإغلاق، وطفولة تُدفع قسرًا نحو العتمة. هنا، بدا التمويل فعلَ مسؤولية لا خيارًا سياسيًا.
ومن هذا المنطلق، دعا أبو هولي إلى إحياء صندوق الوقف الإنمائي، لا بوصفه أداة مالية فحسب، بل باعتباره ميزانًا أخلاقيًا يعيد بعض العدالة إلى عالم اختلّ ميزانه. دعا إلى شراكات طويلة الأمد، وإلى تمويل يحرّر الأونروا من منطق الطوارئ، ويمنحها القدرة على الاستمرار بكرامة واستقلال.
ثالثًا: الشراكة بوصفها فعلًا إنسانيًا
وفي لقاءاته مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، لم يتحدث أبو هولي عن المساعدات بل عن المعنى؛ عن الانتقال من إسعاف اللحظة إلى بناء المستقبل، ومن إدارة الألم إلى صناعة الأمل. فالمخيم، في رؤيته، ليس مساحة انتظار، بل مجتمع نابض بالحياة يستحق التنمية لا الشفقة.
وأشاد بالدور السعودي لا بوصفه دعمًا سياسيًا عابرًا، بل امتدادًا لموقف تاريخي يرى في فلسطين قضيته المركزية، وفي نصرة الإنسان واجبًا أخلاقيًا يتجاوز الحسابات.
رابعًا: الدفاع عن الذاكرة في وجه النسيان
وفي لقاءاته مع القيادات السياسية والدينية، ظل السؤال الجوهري حاضرًا: كيف نصون الرواية الفلسطينية من التآكل؟ وكيف نحول دون اختزال المأساة في أرقام باردة، أو تحويل اللاجئ إلى مجرد حالة إنسانية بلا اسم ولا ذاكرة؟
من هنا جاءت دعوته إلى تحرك فقهي وسياسي يعيد الاعتبار لحق اللاجئ، ويفتح أمام الأونروا أبواب الدعم المشروع، صونًا للكرامة، وحفظًا للتاريخ، ومنعًا لطمس الحقيقة.
هكذا بدت زيارة الدكتور أحمد أبو هولي: ليست جولة دبلوماسية عابرة، بل رحلة فكرية وأخلاقية في قلب العاصفة. أعادت للقضية الفلسطينية بعضًا من صوتها في زمن الضجيج، وأكدت أن اللاجئ، مهما طال به المنفى، يظل صاحب حق، وأن القضايا العادلة لا تموت ما دام في الأمة من يجرؤ على قول الحقيقة.
فالقضية لم تمت، وما دام في الضمير نبض فلن تموت








