ورقة سياسات: إعادة تعافي وإعمار الإنسان في غزة بعد الإبادة الجماعية – د. علاء الدين عبد العاطي
ورقة سياسات: إعادة تعافي وإعمار الإنسان في غزة بعد الإبادة الجماعية – د. علاء الدين عبد العاطي
إعمار الإنسان قبل الحجر: سياسات التعافي في غزة بعد الإبادة الجماعية
بعد حرب الإبادة التي اجتاحت غزة، لم يعد الإعمار مسألة إسمنت وبنى تحتية فحسب، بل معركة وجودية لإعادة ترميم الإنسان المكسور نفسيًا واجتماعيًا. هذه الورقة تطرح مقاربة سياساتية جريئة تُعيد تعريف الإعمار بوصفه فعل كرامة وحق، لا مجرد عملية بناء.
خاص قناة المواطن
ورقة تحليل سياسات
إعادة تعافي وإعمار الإنسان في غزة بعد حرب الإبادة الجماعية
إعداد:
د. علاء الدين محمد عبد العاطي
الملخص (Abstract)
تتناول هذه الورقة إشكالية إعادة تعافي وإعمار الإنسان في قطاع غزة بعد حرب الإبادة الجماعية، باعتبارها أولوية في السياسات العامة لا تقل أهمية عن إعادة إعمار البنية التحتية المادية. وتنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن أي عملية إعمار تتجاهل الأبعاد النفسية والإنسانية، وصون الكرامة والحقوق، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ستظل عملية هشّة وقابلة للانتكاس.
تعتمد الورقة مقاربة تحليل سياسات تستند إلى المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية والصحية، مع تركيز خاص على الآثار النفسية والاجتماعية للحرب، والفجوات البنيوية في الاستجابة القائمة، والأدوار المتوقعة من الفاعلين الوطنيين والدوليين. وتخلص الورقة إلى مجموعة من الخيارات والتوصيات العملية التي تؤكد أن إعمار الإنسان يُشكّل شرطًا سابقًا وملزمًا لنجاح أي عملية إعمار مادي، ومدخلًا أساسيًا لبناء الاستقرار والسلم الأهلي في غزة.
الكلمات المفتاحية:
غزة، الإبادة الجماعية، التعافي النفسي، إعمار الإنسان، التماسك الاجتماعي، تحليل السياسات.
المقدمة
شهد قطاع غزة واحدة من أعنف الحروب في تاريخه المعاصر، اتخذت طابع الإبادة الجماعية، وخلّفت دمارًا شاملًا طال الإنسان والمكان على حد سواء. وفيما ينصبّ التركيز في مرحلة ما بعد الحرب غالبًا على إعادة إعمار البنية التحتية المادية، تغيب في كثير من الأحيان المقاربة الشاملة التي تضع الإنسان في صدارة أولويات التعافي والإعمار.
تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية مفادها أن اختزال الإعمار في إعادة بناء الحجر، دون معالجة الآثار النفسية والإنسانية والاجتماعية العميقة، يهدد بإنتاج واقع هش وغير قابل للاستدامة. وعليه، تسعى الورقة إلى إعادة تعريف مفهوم الإعمار من منظور إنساني–حقوقي، يضع تعافي الإنسان وكرامته وحقوقه في قلب السياسات العامة.
أولًا: الإبادة والكارثة الإنسانية الشاملة
لم تكن حرب الإبادة على غزة مجرد عدوان عسكري واسع النطاق، بل شكّلت كارثة إنسانية شاملة وزلزالًا نفسيًا واجتماعيًا مسّ جوهر الوجود الإنساني للفلسطينيين. فالاستهداف الممنهج لم يقتصر على المنازل والبنية التحتية، بل طال منظومات الأمان الاجتماعي، والعلاقات الأسرية، والقيم المجتمعية، وأثقل كاهل المجتمع بأعباء نفسية غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، يغدو اختزال مفهوم الإعمار في إعادة بناء المرافق والمنشآت مقاربة قاصرة، ما يستدعي تبنّي مفهوم إعمار الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها، ومدخلًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي.
ثانيًا: الآثار النفسية والإنسانية لحرب الإبادة
تشير التقارير الميدانية، ولا سيما تقارير برنامج غزة للصحة النفسية، إلى أن المجتمع الغزّي يعيش حالة صدمة جمعية ممتدة تتجاوز حدود التشخيصات النفسية التقليدية. فقد تعرّض أكثر من مليوني إنسان، يشكّل الأطفال ما يقارب نصفهم، لسلسلة متراكمة من الخبرات الصادمة، شملت القتل، والنزوح القسري، والتجويع، وفقدان الأحبة، وانعدام الأمان المزمن.
وتتمثل أبرز هذه الآثار في:
-
الانتشار الواسع لاضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
-
شعور دائم بالخوف والعجز والذنب لدى البالغين.
-
اضطرابات سلوكية وتطورية لدى الأطفال، تشمل الكوابيس والانطواء أو السلوك العدواني.
-
هشاشة متزايدة لدى كبار السن وذوي الإعاقة.
-
احتراق نفسي وصدمة أخلاقية لدى الكوادر الطبية وفرق الإنقاذ.
إن غياب تدخل شامل ومستدام لمعالجة هذه الآثار ينذر بانتقال الصدمة عبر الأجيال، ويضاعف مخاطر التفكك الاجتماعي على المدى الطويل.
ثالثًا: التعافي النفسي والإنساني كمدخل للإعمار
تجادل الورقة بأن التعافي النفسي والإنساني لا يُعد مرحلة لاحقة لعملية الإعمار، بل شرطًا سابقًا وضروريًا لنجاحها. فإعادة تعافي الإنسان تعني استعادة الإحساس بالقيمة والقدرة والكرامة، بما يمكّنه من المشاركة الفاعلة في إعادة بناء مجتمعه.
ويتطلب ذلك:
-
دمج خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي–الاجتماعي (MHPSS) في جميع برامج الإغاثة والإعمار.
-
توفير مساحات آمنة للأطفال والنساء، وتطوير برامج تفريغ نفسي تراعي الخصوصية الثقافية والسياق المحلي.
-
الاستثمار في بناء قدرات كوادر محلية مستدامة بدل الاعتماد على تدخلات طارئة قصيرة الأمد.
رابعًا: الحقوق والكرامة في قلب مسار التعافي
لا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي في ظل استمرار انتهاك الحقوق الأساسية أو تغييب أصوات الضحايا. وعليه، ينبغي أن يستند إعمار الإنسان إلى مقاربة حقوقية واضحة تشمل:
-
ضمان الحق في السكن والصحة والتعليم والعمل.
-
إشراك المتضررين في تحديد أولويات التعافي والإعمار.
-
ربط التعافي بمسارات العدالة والمساءلة، إذ إن الإفلات من العقاب يفاقم الجراح ولا يسهم في معالجتها.
فالكرامة الإنسانية ليست نتيجة نهائية للتعافي، بل منطلقه الجوهري.
خامسًا: التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي
أسهمت الحرب، إلى جانب الضغوط المعيشية وندرة الموارد، في تصاعد التوترات الداخلية. ومن ثمّ، يمثل تعزيز التماسك الاجتماعي خط دفاع أساسيًا في مواجهة مخاطر الانهيار المجتمعي، وذلك عبر:
-
برامج حوار ومصالحة مجتمعية محلية.
-
دعم المبادرات الشبابية والنسوية.
-
ضمان الشفافية والعدالة في توزيع المساعدات وبرامج الإعمار.
سادسًا: الفجوات في الاستجابة الحالية
تُظهر الاستجابات القائمة فجوات بنيوية واضحة، من أبرزها:
-
التدمير الواسع للبنية التحتية للصحة النفسية.
-
نقص حاد في الكوادر المتخصصة.
-
فجوات تمويل مزمنة.
-
قيود الاحتلال على الوصول الإنساني والخدمات الأساسية.
وتجعل هذه الفجوات الاستجابة الحالية غير متناسبة مع حجم الكارثة الإنسانية في غزة.
سابعًا: الأدوار والمسؤوليات
1. المسؤولية الوطنية
-
بلورة رؤية وطنية شاملة لإعمار الإنسان.
-
تحييد الخلافات السياسية عن ملف التعافي.
-
تمكين المجتمع المدني والمؤسسات القاعدية.
2. دور المجتمع الدولي
-
الانتقال من إدارة الأزمة إلى تحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية.
-
دعم برامج طويلة الأمد للتعافي النفسي والاجتماعي.
-
احترام الأولويات الفلسطينية وعدم فرض نماذج جاهزة.
ثامنًا: خيارات سياسات وتوصيات
-
اعتماد الصحة النفسية خدمةً أساسية منقذة للحياة.
-
إطلاق برامج مجتمعية ومدرسية متعددة المستويات للتعافي.
-
الاستثمار في تدريب وتمكين الكوادر المحلية.
-
دمج التعافي النفسي في التعليم والحماية والصحة العامة.
-
التزام دولي متعدد السنوات بتمويل مستدام ورفع قيود الوصول.
الخاتمة
تؤكد هذه الورقة أن إعمار غزة يبدأ بإعمار الإنسان، بوصفه حاملًا للكرامة والحقوق والقدرة على التعافي. ومن دون ذلك، سيظل الإعمار المادي هشًّا، وستبقى الصدمة قابلة للتوارث عبر الأجيال. وعليه، فإن إعادة تعافي الإنسان في غزة تمثّل ضرورة سياساتية ملحّة لبناء مستقبل قابل للحياة والاستقرار.
بقلم: د. علاء الدين عبد العاطي
خاص قناة المواطن
رابط الدكتور علاء الدين عبد العاطي








