المواطن

النرويج والقضية الفلسطينية … كتب أسامة خليفة

15 فبراير 2026

شهدت العلاقات الإسرائيلية النرويجية في الفترة القريبة الماضية تحولاً وتغيّراً تدريجياً بدّلت مواقف النرويج نحو إسرائيل من التحالف والتعاون، إلى الوسيط الغير محايد، إلى منتقد للسياسات الإسرائيلية، إلى مطالب بعقوبات على أفراد ومؤسسات إسرائيلية، إلى توتر في العلاقات بين الجانبين. درست إسرائيل إغلاق سفارتها في النرويج، إثر تدهور العلاقات بعد اشتداد حرب الإبادة على قطاع غزة، بالمقابل كانت الحكومة النرويجية قد رفعت مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني من مكتب إعلامي في أوسلو إلى بعثة دبلوماسية بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وفي 15 كانون الأول/ديسمبر 2010، قررت النرويج رفع التمثيل إلى مستوى سفارة. بينما كان خيار إغلاق السفارة الإسرائيلية مطروحاً للنقاش، ووفق مصدر إسرائيلي في الخارجية، قال يوم الأربعاء 17 كانون الأول/ ديسمبر 2025: إن «النرويج تقف في طليعة الدول الأوروبية التي تقود حملات الإضرار والمقاطعة ضد إسرائيل، وتساهم في تحركات تلحق أضراراً بها في المحافل الدولية .. »، وكانت إسرائيل تأمل عبر الانتخابات حدوث تغيير سياسي من خلال تولي اليمين مقاليد الحكم بدلاً من الحكومة اليسارية التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، ولكنها استمرت في الحكم بفوز اليسار في انتخابات أيلول 2025.

ونتيجة لسياسات النرويج الناقدة لسلطات الاحتلال، والرافضة للاستيطان والاحتلال وممارساته القمعية النازية، توترت العلاقات لاسيما بعد اعتراف النرويج بدولة فلسطين في 28 أيار/مايو 2024. على حدود حزيران 1967، معتبرة أن ذلك يصب في مصلحة السلام وحل الدولتين.

ورداً على هذه المواقف، قامت إسرائيل بإلغاء التسهيلات الدبلوماسية لممثلي النرويج لدى السلطة الفلسطينية، وألغت في أب/أغسطس 2024 الاتفاق المعروف بـ «حساب العهدة» وهو حساب يتم عبره تحويل أموال السلطة الفلسطينية إلى النرويج باعتباره وسيطاً. رأت الحكومة النرويجية أن قرار إسرائيل إلغاء اعتماد ممثليها الدبلوماسيين لدى فلسطين ستكون له عواقب فيما يخص العلاقات الثنائية، وقال وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي، إن القرار الإسرائيلي يعتبر عملاً متطرفاً يؤثر في قدرة بلاده على مساعدة الشعب الفلسطيني.

لم يكن موقف النروج كذلك في مراحل الصراع المختلفة، قبل العام 2021، وتولي اليسار الحكم، نشأت العلاقات التاريخية الوثيقة بين الجانبين منذ ما قبل إعلان قيام دولة إسرائيل، في العام 1947 صوتت النرويج لصالح قرار تقسيم فلسطين، واعترفت بإسرائيل في 4 شباط/ فبراير 1949، ولعب الأمين العام للأمم المتحدة النرويجي تريغفه لي دوراً هاماً في التأسيس لدواة يهودية، ثم الاعتراف بدولة الكيان في الأمم المتحدة، ونكران نكبة الشعب الفلسطيني، وظلّت أوسلو تنحاز لتل أبيب في المحافل الدولية، وصوتت في العام 1974 ضد مشروع قرار يمنح منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب في الأمم المتحدة.

وترسخت بين إسرائيل والنرويج علاقات سياسية وتجارية واقتصادية متينة، وتعاون تقني وعسكري بما في ذلك صفقات سرية في الخمسينيات لبيع الماء الثقيل الذي ساهم في تشغيل المفاعل النووي الإسرائيلي، فقد وافقت حكومة النرويج عام 1959 على بيع 20 طناً من الماء الثقيل من فائض برنامجها النووي، استخدمته إسرائيل لتشغيل مفاعل ديمونة النووي، ومكًنها من امتلاك سلاح نووي، بما يخالف مبادرة «الذرة من أجل السلام» التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور.

 في بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين أعجب قادة حزب العمال النرويجي، وجناحه النقابي بهذا المشروع، وبدت لهم مستوطنات الكيبوتس والموشاف تجسيداً للصورة المثالية للتعاونيات الزراعية في المجتمع الاشتراكي، وفي عام 1949 أطلق حزب العمال حملة تبرعات شعبية لإقامة مستوطنة تحمل اسم «قرية النرويج»، أُنشئت المستعمرة المسماة «موشاف يانوڤ» على أراضٍ فلسطينية بتمويل نرويجي، وكانت الحكومة النرويجية ترسل الأخشاب لدعم مشروع «كيبوتس النرويج » في الأراضي المحتلة، في الوقت ذاته منعت تصدير مواد بناء إلى مخيمات الفلسطينيين، وفي أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، شاركت منظمات نرويجية في نقل اليهود من شمال أفريقيا سراً إلى الأراضي المحتلة، وعلى العموم تبنّت النرويج الرواية الصهيونية، ودعت إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية.

في مايو/أيار 2020، رفض البرلمان النرويجي مشروع قانون لوضع علامات على المنتجات الإسرائيلية المنتجة في الضفة الغربية. وفي 10 حزيران/ يونيو 2022، أعلنت الحكومة النرويجية أنها ستضع علامات على البضائع المنتجة في مستوطنات الضفة الغربية، على عكس أيرلندا وسلوفينيا اللتان اتخذتا خطوات متقدمة لحظر التجارة تماماً مع المستوطنات. حالياً أصبح موقف النرويج حاسماً، فقد وصف أندرياس موتسفيلدت كرافيك، نائب وزير الخارجية، وصف المستوطنات في الضفة الغربية بأنها غير قانونية ويجب إزالتها، مؤكداً دعم بلاده كل العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على المستوطنين.

تحت رعاية النرويج انطلقت في أوسلو من 13-20 كانون الثاني/ يناير 1993 مفاوضات سرية، نتج عنها اتفاقية أوسلو، لعبت النرويج فيها دور الوسيط غير المحايد، ومالت بنود الاتفاق لمصلحة إسرائيل بشكل واضح، حيث ضغط الوسطاء على الفلسطينيين لتقديم التنازلات. تشير المؤرخة النرويجية هيلدا هنريكسن فاغه إلى جهود النرويج لإقناع الفلسطينيين بقبول مطالب إسرائيل، بالمقابل ليس ثمة ما يشير إلى محاولات نرويجية لإقناع الإسرائيليين بوجهة نظر فلسطينية، وقدمت النرويج المشورة للإسرائيليين حول كيفية تحصيل المزيد من المكاسب.

بعد توقيع اتفاقية أوسلو في واشنطن في 13 أيلول/سبتمبر 1993 ظلّت النرويج تنحاز لإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية، ومنها الضغط لتعديل المناهج الدراسية الفلسطينية كشرط للتمويل المالي للسلطة الفلسطينية، مجاراة لمزاعم إسرائيل حول محتوى ورسائل معادية للسامية تنشر الكراهية وتحرض على العنف، بينما تجاهلت تركيز المناهج الدراسية الإسرائيلية على مفاهيم العرقية والتمييز العنصري والعدوانية والاستعلاء والتحريض المتطرف ضد الفلسطينيين.

في سبتمبر/أيلول 2023، زارت وزيرة الخارجية النرويجية من حزب العمال أنيكين هويتفيلدت فلسطين، ووصفت الوضع هناك بأنه مأساوي، وأشارت إلى أن الإحباط بين الفلسطينيين يتفاقم مع استمرار الاحتلال، وتوسّع الاستيطان، وسياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعملها بنشاط ضد حل الدولتين.

لم تكتفِ النروج بانتقاد السياسة الإسرائيلية، بل طالبت بفرض عقوبات على إسرائيل من أجل تغيير سياستها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتصر على ضرورة امتثال إسرائيل للقانون الدولي الإنساني. يوم الأربعاء 21/5/2025 حذر نائب وزير الخارجية النرويجي أندرياس موتسفيلدت كرافيك، من تبعات مأساوية على سكان قطاع غزة إذا لم تغيّر إسرائيل سلوكها، مؤكداً أنه من غير المقبول أن تمنع دخول المساعدات إلى غزة، فهناك شعب يعاني.

في هذا السياق أعلنت النرويج يوم الثلاثاء 29 أكتوبر 2024 أنها ستقدم طلباً إلى محكمة العدل الدولية لبحث تصرفات إسرائيل تجاه «الأونروا» واستصدار رأي استشاري يوضح التزامات إسرائيل بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، وقالت النرويج، في بيان، إن هذه الخطوة تأتي رداً على قرار إسرائيل، في يوم الاثنين 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024، حظر عمل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل والقدس الشرقية المحتلة، والعقبات الأخرى التي تختلقها إسرائيل وتعرقل العمل الإغاثي للمنظمات الدولية. وأكدت النرويج على أن الأونروا لا بديل عنها، وأن استمرار عملها ضروري وهو جزء من التزامات إسرائيل أمام المجتمع الدولي. كما رفضت أوسلو الحملة الإسرائيلية–الأميركية لوقف تمويل وكالة «الأونروا»، وقررت بدلاً من ذلك زيادته. وقالت وزير التنمية آن بيث كريستيانسن: «بعد تسعة أشهر من الحرب، أصبح الوضع كارثياً في غزة… «الأونروا» هي العمود الفقري للجهود الإنسانية، ولهذا قدّمنا دعماً إضافياً لتصل مساهمتنا هذا العام إلى 47 مليون دولار».

في آب/ أغسطس 2025 تقدّمت النرويج بمذكرات دعماً للتحقيقات الدولية المتعلقة بجرائم حرب في الأراضي الفلسطينية، قال وزير خارجية النرويج إسبن بارث إيدي إنه «في حال إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن كل الدول، الموقعة على نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، عليها أن تستجيب لذلك، وأوسلو ملتزمة بإلقاء القبض عليه إذا زارها».

يضاف إلى ذلك فرض عقوبات على بن غفير وسموتريتش الوزيرين في الحكومة الإسرائيلية لدوريهما بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين، وبسبب تصريحات متطرفة وغير إنسانية بشأن الوضع في قطاع غزة، ذلك في بيان مشترك لوزراء خارجية النرويج وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا أعلن عنه يوم الثلاثاء 10/6/2025.

 من ناحية الإجراءات الاقتصادية قام صندوق الثروة السيادي النرويجي باتخاذ قرارات بسحب استثماراته من شركات تدعم الاحتلال والاستيطان، ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، قرر الصندوق سحب استثماراته من شركة «بيزك» الإسرائيلية للاتصالات، وباع جميع أسهمه في شركة «بازال» الإسرائيلية بسبب تزويدها

المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة بالوقود، وتم استبعاد تسع شركات إسرائيلية من الصندوق بسبب أنشطة مرتبطة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، كما قامت صناديق استثمار نرويجية بوقف التعامل مع هيئات مالية إسرائيلية تعمل في الأراضي الفلسطينية، وصوّت اتحاد نقابات عمال النرويج، بالإجماع خلال مؤتمره العام، على قرار يدعو إلى مقاطعة إسرائيل ومنتجاتها.

تعكس التغيرات في مواقف الحكومات الأوروبية تجاه إسرائيل، تصاعد الضغط الشعبي المتضامن مع فلسطين لوقف الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية، ومحاسبة المسؤولين عنها. وقد شهدت النرويج ازدياد التعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم، ولعبت الأحزاب اليسارية والنقابات دوراً في إبراز معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال. هناك أحزاب سياسية نرويجية ترسخت مواقفها الداعمة لفلسطين، والتي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي اليساري، وقد أنشأ أصدقاء فلسطين في برلمان النرويج مجموعة مناصرة للقضية الفلسطينية. بينما يُعتبر الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب التقدم اللذان تداولا السلطة في النرويج مؤيدان لإسرائيل، ويعارضان مقاطعة إسرائيل، ويسعيان لتنمية العلاقات الاقتصادية معها، لم يُدينا علناً العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، كما رفضا وصفها بأنها إبادة جماعية. وكانا يرغبان في نقل السفارة النرويجية من تل أبيب إلى القدس، وتبدلت سياسة أوسلو مع وصول حزب العمال إلى السلطة في النرويج.

هذا نموذج لتغيير سياسات ومواقف الدول عبر العمل الجماهيري والإعلامي الذي يركز على تحشيد التأييد للرواية الفلسطينية، ودحض الرواية الإسرائيلية في مختلف دول العالم، وتحويل قضية فلسطين إلى قضية رأي عام، بوضع استراتيجية تعاون بين أصدقاء القضية الفلسطينية والأحزاب السياسية المتضامنة معها.