المسكّنات الأفيونيّة في غزّة: محسوبيات وإدمان وهرميّة الاستطباب
5 فبراير 2026
مشيرة توفيق
04.02.2026
يكشف هذا التحقيق كيف أصبح حصول بعض المرضى على العقاقير المخدّرة والمسكّنات الطبّية، في قطاع غزّة، مرهوناً بالواسطة والعلاقات الشخصية، في ظلّ نقص الأدوية الحادّ جرّاء الحرب الإسرائيلية، فضلاً عن توسّع السوق السوداء التي تغذّيها الحاجة والعجز الرسمي.
كما يستعرض التحقيق المخاطر الصحّية والنفسية الناجمة عن الاستخدام غير المنضبط للمسكّنات الأفيونية على وجه الخصوص، ويوصي برفع مستويات الرقابة على الصرف لأقصى درجة.
“القليل الشحيح الموجود يُدار بالعلاقات، فلان حبيبي أُحضر له ما يريد، ما دون ذلك لن يأخذ أحد شيئاً”، على هذا النحو بدأ الثلاثيني أسامة حديثه عن الطريقة، التي تمكّن فيها من توفير علاج أخيه محمّد، وزوجة أخيه نور، بعد القصف الإسرائيلي الذي استهدف منزله في مخيّم النصيرات وسط قطاع غزّة، في أيلول/ سبتمبر 2024.
نقلت الطواقم الطبّية محمّد الذي بُترت ساقه إلى مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، في وسط القطاع، فيما نُقلت نور التي بُتر اثنان من أصابع يديها، وأُصيبت بكسور في الرقبة والظهر والقدمين، إلى المستشفى الأميركي الميداني، في البداية، قبل أن تلتحق بمحمّد بعد أيّام.
“كان وضع محمّد ونور صعباً جدّاً، وفي الوقت نفسه، كانت العقاقير المخدّرة والمسكّنات الطبّية في المستشفى شحيحة للغاية، “إلا أنني وبعلاقاتي مع الأطبّاء، حصلت على ما لم يكن متاحاً لباقي المرضى، جرعتين من المورفين الوريدي (Morphine) مرّتين أسبوعياً”، يقول أسامة.
ليس هذا فحسب، فقد حصل أسامة أيضاً على الجابابنتين (Gabapentin) من خلال علاقاته، في وقت كان سعر الحبّة الواحدة منه في السوق السوداء تتراوح بين ثمانين إلى مائة شيكل، وكذلك مسكّن كترولاك ( Ketorolac) العضلي الذي يطلب الأطبّاء توفيره من خارج المستشفى، وتمكّن هو من الحصول عليه من داخلها، ستّ مرّات على الأقلّ.
أسامة يتابع حديثه بينما يُظهر عبر تطبيق “واتساب” على هاتفه الشخصي محادثاته مع أطبّاء، يرسل لهم ما يريد، فيحضرونه له: “حتى بعد خروجهما من المستشفى، اعتمدا عليَّ في توفير المسكّنات، منها ما كان من مستودعات وزارة الصحّة ومستشفياتها وأقسامهما، ومنها من السوق السوداء، كالمورفين والترامادول، التي وصل سعر الشريط الواحد منها في ذلك الوقت إلى ألف شيكل”.
من أجل الحصول على العلاج، لم تكن هذه هي المعركة الوحيدة التي خاضها أسامة، فهناك معركة أخرى أصعب، بدأت حين شعر أن “محمّد قد يتحوّل إلى مدمن، فبدأ بمنعه وإقناعه بالتعايش والتغّلب على الحالة النفسية الصعبة التي أصابته بعد بتر ساقه”.
مسكّنات وواسطات
بوّابة الحظّ التي فتحتها العلاقات لأسامة، عبرت منها الثلاثينية نسمة أيضاً، ففي نهاية تمّوز/ يوليو 2024، تمكّنت من الحصول على مسكّن “جابابنتين” بمساعدة طبيب زميل لها في العمل، يَعرف طبيباً آخر في وزارة الصحّة.
اكتشفت نسمة بعد نزوح عائلتها عن مدينة رفح إلى خيمة في مواصي خانيونس جنوباً، أن والدتها الستّينية مريضة بالسرطان، حاولت بقدر ما استطاعت أن تجد لها مكاناً للرعاية في “مجمّع ناصر الطبّي”، لكنّ ذلك كان أشبه بالمستحيل، إلى الحدّ الذي جعل الأمّ المريضة تقضي يوماً كاملاً نائمة على كرسي في أحد ممرّات المستشفى.
تقول نسمة: “تكسّر عظم والدتي بمجرّد أن وقعت على الأرض في الخيمة، وعندما نقلناها إلى ناصر، طلب منا الطبيب الذي يتابع حالتها أن نعود بها إلى الخيمة؛ لأنه ليس بمقدورهم أن يقدّموا لها شيئاً، فهي في حالة نزاع”.
نصح الطبيب العائلة بالبدء بالبحث عن مسكّن قوي، يخفّف آلام الأمّ، لا سيّما في ظلّ الشحّ الشديد للمسكّنات في القطاع عموماً، وبدأت نسمة بذلك بالفعل، تحدّثت إلى زميل يعمل معها، وما هي إلا ساعات حتى أحضر لها من طبيب يعمل في وزارة الصحّة “ستّ حبّات من الجابابنتين، وضعها في منديل ورقي”.
رحلة البحث عن العقاقير المخدّرة والمسكّنات الطبّية، لم تتوقّف بعد، فها هي نسمة أخرى من سكّان مدينة غزّة، مريضة بالضغط والسكري، ويسبب لها ارتفاع مستوى السكر آلاماً في العظام، ناهيك بوجود “مسمار عظم” في القدم، وضغط في فقرات الظهر.
وصف لها الطبيب المتابع عقار كاتافلام Cataflam)) المسكّن مرّتين يومياً لنسمة، فرأت هي أن تستثمر علاقاتها ومعرفتها للحصول عليه، بعد أن تبيّن لها أن سعر الحبّة الواحدة وصل إلى عشرة شواقل بالحدّ الأدنى في الصيدليات الخاصّة.
تقول: “طلبتُ من شخص معرفة يعمل في مؤسّسة صحّية أهلية فلسطينية تعمل في الضفّة الغربية والقطاع، أن يساعدني في الحصول عليه، لم أزر المؤسّسة ولم أفتح ملفّاً، والدواء وصلني حتى باب البيت”.
بعد أشهر من الاستفادة، نفذ مخزون المؤسّسة من العلاج، وفي حزيران/ يونيو وتمّوز/ يوليو وآب/ أغسطس 2025، اضطرّت نسمة لشرائه من صيدليات خاصّة، بتكلفة ستمائة شيكل شهرياً.
في وقت لاحق، تعرّضت الشابة الثلاثينية لانهيار عصبي شديد أثناء الحديث عن النزوح لمرّة ثانية إلى جنوب القطاع، إبّان عمليّات “عربات جدعون” الثانية في أيلول/ سبتمبر 2025، فنصحها صديق صيدلي بتناول عقار لاريكا (Lyrica).
“اشتريت من صيدلية في مدينة غزّة ثلاث حبّات لاريكا مقابل خمسمائة شيكل، كي أتمكّن من مواجهة الجنون الذي يجري على الأرض، وعندما عرفت صديقة لي بذلك كانت مصدومة للغاية، لأن زوجها الصيدلي اشترى الشريط الواحد من العقار نفسه بشيكل، ممن شاركوا في سرقة مستودع مجمّع ناصر، في كانون الأوّل ديسمبر 2023، ثم باعه بمئة شيكل”، تتابع حديثها.
نسمة لم تبدِ مندهشة من شيء، فقد شاهدت في مرّات عديدة كيف تباع الأدوية المسروقة من الصيدليات، ومخازن وزارة الصحّة، وشاحنات المساعدات، فوق بسطات على الأرصفة في الأسواق العامّة، حتى أنها قبل أيّام من إجراء المقابلة، خلال وقف إطلاق النار في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، اشترت أدويتها من بسطة في مدينة دير البلح، بتاريخ صلاحية حتى العام 2027، فيما استلمت من عيادة وكالة الغوث “أونروا” العلاج بتاريخ صلاحية منتهي.
كيف تبدو الصورة في الجانب الآخر؟
هناء (اسم مستعار)، وهي طبيبة تعمل في قسم الجراحة النسائية في مستشفى “شهداء الأقصى”، توضح أن “أغلب الحالات في القسم لديها من إصابات الحرب الإسرائيلية، تحتاج إلى العقاقير المخدّرة والمسكّنات الطبّية بشكل أساسي”.
وتقول: “قبل الحرب وحتى في الأشهر الأولى منها، كان لكلّ قسم عُهدة من العقاقير المخدّرة، يحضر الطبيب لتقييم الحالة، ثم يكتب الروشتة في دفتر الوصفات المخدّرة المخصّص لذلك، وحين يُقدّم طاقم التمريض الجرعة للمرضى، يجب أن يوقع مع شاهد أو شاهدة من الزملاء على ذلك، لكنّ الحقيقة أن الشاهد لا يرى ذلك بالفعل، لا سيّما في ظلّ نقص الطواقم وحالات الطوارئ”، وتضيف: “فيما بعد، ونتيجة تسجيل تجاوزات من قِبل طاقم التمريض، لأن كلّ شيء تحت يده، ونتيجة أيضاً لزيادة الشحّ، اتّخذت الجهات المسؤولة قراراً برفع العُهدة من الأقسام، على أن تتوفّر في صيدلية الاستقبال والعناية المركّزة فقط”.
رغم هذه الإجراءات التي رأتها هناء ضرورية، “فالطواقم التي بقيت دون رواتب باستثناء ألف شيكل كلّ شهرين، وكانت تعمل طوال أربع وعشرين ساعة متواصلة، إذا أرادات أن تجد منفذاً لإساءة التصرّف ستصل إلى ما تريد، خاصّة في أقسام الاستقبال، فالرقابة هناك تكاد تكون مستحيلة، بالذات في ظلّ الأعداد المهولة من الإصابات التي كانت تصل، وحاجتها إلى عقاقير مخدّرة قوّية فوراً”.
قبل شهرين من إجراء المقابلة مع هناء في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، اشتكى طاقم التمريض، من صعوبة الإجراءات المتّبعة بالخصوص، فاتّخذت الجهات المسؤولة قراراً بإرجاع العُهدة القسم، ولكن بكميّات قليلة.
“فعلياً كان عليّ أن أستنفد كلّ حلول الأرض قبل أن أحضر أيّ أمبول مادّة مخدّرة لإعطائه في القسم، مع ذلك تكثر التجاوزات في الفترات المسائية، فالأطبّاء المناوبون جدد ومتطوعون. أتذكّر أن زميلة لي من خلال أحد هؤلاء الأطبّاء كانت تصرف لقريبتها المصابة، أمبولاً من الترامادول كلّ ليلة، مع أن حالتها مستقرّة”، تقول هناء.
وفي الشهر ذاته التي عادت فيه العُهدة إلى قسمها، دخلت زميلة هناء إلى التحقيق، بعدما اشتكت ثالثة عليها لأنها وقّعت غيابياً عنها، بأنها شاهدت إعطاء مريضة سرطان في غيبوبة في القسم، أمبولين من المورفين، مع أنه لا داعي لذلك.
في المستشفى ذاته، التقينا بـحسين (اسم مستعار) من طاقم التمريض في قسم العمليّات، الذي لم ينكر أنه ساعد بعض الحالات التي يعرفها كي تنال نصيباً أفضل من العقاقير المخدّرة، من بينها مريضة أُصيبت في الحرب وبتر الأطبّاء ساقها من أعلى الفخذ، وطلبت منه مراراً وتكراراً عند إجراء العمليّة أن يتوسّط لها عند زملائه كي “يتوصّوا بها” في الإبر المخدّرة.
“ونتيجة ضغط العمل، والظروف القاهرة التي مرّوا بها، أدمن بعض الطواقم في فترة ما الميدوزولام Midazolam))، وهو مهدّئ ومخدّر قصير المدى، ويمكن أن يسبّب الإدمان إذا تمّ استخدامه بدون إشراف طبّي”، بحسب حسين الذي أوشك على التقاعد من العمل في الحقل الحكومي.
بموازاة ذلك، في المجمّع الطبي الذي يعمل فيه خارج ساعات الدوام الحكومي الرسمي، اضطرّ حسين لشراء عقاقير مخدّرة من السوق السوداء، يحقن بها المرضى بعد العمليّات الصعبة، من بينها الترامادول، مقابل مائة وخمسين شيقلاً للأمبول الواحد، وكذلك قرابة تسعين أمبولاً من مخدّر الكيتامين (Ketamine)، اشتراها من طبيب يعرفه.
إقرأوا أيضاً:
“قبل الحرب كنّا نحصل على هذه الموادّ بإشراف وزارة الصحّة وبطريقة منظّمة، لكن اليوم لا يوجد أمامنا خيار لنُسيّر عملنا إلا بهذه الطريقة، عندما زار وفد من وزارة الصحّة المجمّع مؤخّراً، سألني أحدهم: “من أين تشتري الأدوية؟ فتهرّبت من الإجابة”، يقول حسين.
هل تختلف الأولويات عند مقدّم الرعاية ومن يحدّدها؟
يكشف مصدر مسؤول في “مجمّع ناصر الطبّي” (طلب عدم ذكر اسمه) عن “ازدياد حالات الإدمان بين الطواقم الطبّية على بعض العقاقير المخدّرة في المستشفى خلال الحرب، نتيجة تردّي حالتهم النفسية، علماً أن الإدمان ظاهرة عالمية لديهم بسبب عدم انتظام الساعة البيولوجية”، على حدّ تعبيره.
ويشير المصدر نفسه إلى أنه لم تُرصد حالات محسوبية في صرف العقاقير المخدّرة في المستشفى، لكنّه يعتقد أن “هذا لا يعني أنها غير موجودة، فقد لاحظ بنفسه حالتين، لكن في وضع الفوضى تصبح الأولوية تقديم الخدمة الصحّية للمريض”، بحسب رأيه.
ويقول: “أعتقد أن ما يحتاج التركيز عليه اليوم، هو الانتشار الكبير لعقار الترامادول خارج أسوار المستشفيات. نحن كنا محرومين من معظم العقاقير المخدّرة، وما وصلنا منها كان محدوداً للغاية، حتى أننا اضطررنا مرّات عدّة لخياطة جروح أطفال صغار دون تخدير، وكانت أصوات صراخهم تهزّ الأروقة من حولنا”.
ويتحدّث المصدر عن “حالة من الاستنزاف التي طاولت المؤسّسات الصحّية جرّاء أعداد الإصابات الكبيرة التي كانت تصل من مراكز المساعدات الأميركية، ما اضطرّ المستشفى لتغيير سياسة عملها، بحيث تُعطى العقاقير المخدّرة لمن يحتاجها أكثر، بحسب تقييم الطواقم الطبّية”.
ويضيف: “فيما كنّا نحتاج إلى خمسمائة أمبول من مخدّر البيثيدين (Pethidine)، كان يصلنا فقط عشرة، وكنّا نحتاج يومياً الى ما بين أربعمائة وخمسمائة أمبول من مسكّن إلكترولاك (Electrolac)، لكنّنا كنّا مضطرّين لاختيار خمسة مرضى فقط، من أصعب الحالات، لأن المتوفّر لدينا خمسة أمبولات فقط”.
كيف تعطي النُدرة مع زيادة الاحتياج فرصةً للمحسوبية؟
تهتمّ الإدارة العامّة للصيدلة في وزارة الصحّة الفلسطينية بكلّ ما يخصّ القطاع الصيدلي، أوّلاً في القطاع العامّ بما فيه صيدليات المستشفيات ومراكز الرعاية الصحّية الأوّلية، ثانياً في القطاع الخاصّ بما فيه الصيدليات الخاصّة ومستودعات الأدوية، وثالثاً في القطاع غير الربحي بما فيه المنظّمات غير الحكومية.
يقول الدكتور زكري أبو قمر القائم بأعمال مدير الإدارة العامّة للصيدلة في وزارة الصحّة في غزّة: “لا يوجد نظام محكم مئة في المئة في مثل ظروف الإبادة، غيرنا الخطط مرّات عدّة، مع ذلك لا يخلو الأمر من خلل هنا أو هناك، أنا أؤمن بأن السواد الأعظم أبلى بلاءً حسناً”.
ويتابع: “زيادة الطلب على الشيء، وقلة الأرصدة، يعطيان فرصة للابتزاز والمحسوبية، لكن مسؤوليتنا أن نطبق النظام. لقد ارتقينا من الصرف الورقي إلى النظام المحوسب كي نحد من وجود أي مخالفات، ومع ذلك نحن بشر في النهاية، فمثلًا لا أستغرب أن يكون هناك طبيب مدمن، وأستبعد أن تكون الحالة عامة”.
إسرائيل شريكًا ومحركًا؟
عن العقبات التي واجهت نظام الرقابة المحوسب خلال الحرب، يوضح أبو زكري أن “الاحتلال لعب دورًا في تعطيله بقطع الإنترنت لفترات، وتدمير عدد كبير من الحواسيب، لكن في المقابل ما بُذل كان خرافيًا. تقول الدراسات إن انتشار المواد المخدرة في الحروب وارد للغاية، ولذلك حددنا المخاطر، ونعمل الآن على تفعيل النظام مجددًا، لكن أريد أن أكون صريحًا، حتى اللحظة لا توجد دراسة تحدد مدى فاعليته”.
ويضيف: “الاحتلال ما زال يعيق إدخال كل أصناف الأدوية، وقد وصلت نسبة العجز إلى 54 بالمئة من مجمل الأصناف المتداولة بالوزارة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، كما يمنع إدخال الأدوية للقطاع الخاص، وكل ما يدخل عبارة عن مساعدات، ولا يكفي بالمطلق”.
على رغم ذلك، يؤكد أبو زكري أن “الأدوية المراقبة عمومًا كانت متوافرة خلال الحرب بشكل جيد، فمثلًا أصناف اللاريكا والجابابنتين كانت الأقل عوزًا، أما العوز الأشد فكان في الأدوية المخدرة التي تحتاجها الطواقم في غرف العمليات”.
ويتابع: “استخدمت الوزارة البدائل، وأجلنا كل العمليات المجدولة غير الطارئة حتى هذه اللحظة. فالموجود لا يكفي حتى الطارئ، وحصول المرضى عليها في القطاع الخاص صعب لأنها غير متوافرة، كما أن دور القطاع الأهلي في العمليات محدود جدًا”.
أما في ما يتعلق بالرقابة على الفاعلين الجدد في الحقل الصحي بالقطاع، بما في ذلك المستشفيات الميدانية، فيحذر أبو قمر من “غياب رقابة الوزارات المختصة على المعابر، فدور وزارته يبدأ بعد وصول الشحنات الى مخازن المنظمات ممن يسمح لها الاحتلال بإدخال ما تحتاجه، وهذا لا يستبعد أي خلل أو تجاوزات في الحلقة بين المعبر والمخزن”.
وعن البسطات التي تبيع المواد والعقاقير المخدرة أو المسكنة، يجيب: “الصيدليات غير المرخصة والأكشاك والبسطات ليست في نطاق عملنا، كما أن تلك المواد لم تُسوّق أثناء الحرب في القطاع الخاص لأن الاحتلال لا يسمح بالتنسيقات التجارية، وإذا تواجدت أي كمية فهي غير رسمية، وما يدخل بالكاد يكفي القطاع الحكومي”.
في السياق ذاته، يشير أبو قمر إلى السرقة التي طاولت مخازن مستشفيات وزارة الصحة، بما في ذلك ما حدث مع مجمع ناصر الطبي ومستشفى الرنتيسي التي اجتاحها الجيش الإسرائيلي: “فقدنا أصنافًا من الأدوية، ووثقنا أن عددًا من السارقين والمدمنين استحوذوا عليها بعد انسحاب الاحتلال، حتى أن بعضها استعدناه من خلال وزارة الداخلية”.
ما الذي يحصل في القطاع الخاص والأهلي؟
ما حدث في مخازن المستشفيات، ولم تنشر الجهات المختصة أي إحصاءات شاملة ودقيقة عن حجمه وطبيعته، ليس غريبًا عما حدث في صيدلية الهلال بفرعيها في مخيم جباليا ومدينة غزة، لصاحبها الصيدلي بسام غزال، حين تعرّضت للسرقة مرتين أثناء النزوح القسري للسكان نحو الجنوب في بداية الحرب، وإبان عربات جدعون 2.
يقول غزال: “العمل بالنظام المراقب توقف كليًا، ما كان موجودًا في صيدليتي سُرق، وهذا ما حدث مع 80 في المئة من صيدليات زملائي أيضًا، فقدنا ما كان موجودًا من الأدوية المراقبة كالترامادول واللاريكا وغيرهما، وتقدر خسائري شخصيًا بخمسين ألف دولار”.
وعن دور الجهات الرسمية في متابعة وتوثيق ما حصل، يضيف: “حتى بعد مرور شهر على إعلان وقف إطلاق النار، لم يبلغ أحد أحدًا، ولم يتابع أحد أحدًا، والعلاقة بيننا مقطوعة، لقد عرفت بنفسي أن من سرق صيدليتي بغزة، مدمن، وهذا لا يعني أن السرقة المنظمة بريئة”.
وأعلنت وزارة الصحة في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2025 أن أكثر من 170 ألف جريح يحتاجون الى إجراء عمليات معقدة غير متوافرة في القطاع، ولذلك “بسبب الازدياد الكبير في حالات البتر والحروق الشديدة، هناك حاجة ماسة وطلب كبير على المواد والعقاقير المخدرة والمسكنات الطبية، والصيدليات الخاصة تعاني من نقص في كل الأدوية، حتى تلك التي لا تحتاج الى وصفة طبية لبيعها كالتروفين والكاتافلام، أو التي تحتاج الى وصفة ورقابة كالترامادول والجابابنتين”، على حد تعبيره.
ويؤكد غزال أيضًا ما جاء في تحقيق سابق لمعدة هذا التحقيق: “معظم الأدوية تصل الى المؤسسات الأهلية والدولية التي يسمح لها الاحتلال بذلك، وللأسف نتيجة غياب الرقابة الرسمية عنها، تبيع هذه المؤسسات جزءًا كبيرًا مما يصل إليها في السوق السوداء، مقابل أسعار فلكية، وينسحب ذلك حتى على المواد المخدرة والمسكنة، فعلى سبيل المثال، لفترات طويلة خلال الحرب بيعت بعض المسكنات، كاللاريكا والجابابنتين والترامادول، بمائة شيكل للحبة الواحدة”.
ويعلق: “لا أستطيع رفع المسؤولية عن الجهات الرسمية المختصة، لا أستطيع أن أقول إنهم ليسوا شركاء، إذ من السهل مراقبة مجموعات واتسآب التي تعرض الأدوية المسروقة للبيع، ثم إن أزمة السيولة النقدية جعلت الجميع شريكًا بحسب ما أرى وأتابع”.
لماذا الحاجة إلى رقابة صارمة وضمائر حية؟
تُعتبر المسكنات الأفيونية الأكثر خطورة من حيث احتمال الإدمان وسوء الاستخدام، وتشمل: المورفين، والترامادول، والبيثيدين، التي تُستخدم عادة لتسكين الألم الشديد بعد العمليات أو حالات البتر، وتتطلب إشرافًا طبيًا دقيقًا لتجنب الاعتماد الجسدي والنفسي. أما أدوية الجابابنتين واللاريكا فتخفف آلام الأعصاب وبعض اضطرابات الصرع، لكنها قد تسبب اعتمادًا نفسيًا. كذلك المسكنات الشائعة مثل الكاتافلام والكيتورولاك تستخدم لتخفيف الألم والالتهابات، وهي آمنة نسبيًا ولا تسبب إدمانًا.
يوضح الطبيب النفسي والمحاضر الجامعي الدكتور يوسف عوض الله، أن ظاهرة الإدمان طبيعية في كل العالم، لكنه “واثق أيضًا من أن هذه الظاهرة تفاقمت في القطاع لما ترتب على الحرب من فوضى، أضف إلى ذلك تدمير مستشفى الطب النفسي الوحيد، وإغلاق قسم علاج الإدمان فيه”.
وبالتزامن مع سماح الجيش الإسرائيلي بإدخال شاحنات البضائع التجارية والمساعدات منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025، نشرت وسائل إعلام محلية عن جهاز المباحث العامة، مرات عدة، أخبارًا عن ضبط كميات من المواد والعقاقير الخطرة، منها يوم 22 تشرين الثاني/ نوفمبر: ضبط كمية من الجابابنتين في المحافظة الوسطى، وفي يوم 26 من الشهر نفسه وفي المحافظة ذاتها، ضُبطت ألفي حبة من عقار الروتانا (Fenethylline/Captagon).
يعلق الدكتور عوض الله: “ليس بالضرورة أن تكون المواد والعقاقير التي يتعاطاها المدمنون غير طبية، فهناك من يتعاطى الطبية التي تُستخدم لعلاج أمراض معينة كالترامادول والجابابنتين وحتى أدوية علاج الصرع وغيرها، حتى أن آخر حالة عالجتها من الإدمان على الهيروين والكوكايين قبل عشرين سنة”.
ويضيف: “نتيجة مرور المريض بتجربة قاسية كالبتر مثلاً، فإنه يسيء استخدام العلاج، لقد رأيت حالات تتناول قرابة ست حبات يوميًا، مع أن الأصل أن يصف الأطباء هذه المواد والعقاقير وفق بروتوكول معين. الترامادول هو أم الكبائر والمصائب، وأعراضه الانسحابية صعبة جدًا، واحتمالية الانتكاسات معه عالية جدًا”.
ويبدو عوض الله حزينًا بإشارته إلى أن “هناك من يأخذ علاجًا لا يستحقه فيما لا يحصل مرضى حقيقيون على ما يخفف آلامهم. الطبيب صاحب الضمير لن يؤيد الصرف المفرط، أكون سعيدًا عندما أرى زميلاً طبيبًا لا يفتي من تلقاء نفسه، ويحوّل الحالات الى آخر متخصص ليصرف لها الجرعة الأدق. أريد أن أنصح الجميع بأن يعطوا الخبز لخبازه”.
وعن مصدر هذه العقاقير، يجيب الطبيب النفسي بسؤال آخر: “من مصلحته تدمير شعب غزة وخلط الحابل بالنابل؟ في الحقيقة، نحن نحتاج إلى رفع مستوى الرقابة والمتابعة الى أعلى درجة، فنحن نتعامل مع أدوية خطيرة وحساسة.